Friday, April 20, 2007

لحم مشوي

اليوم هو السبت، والليلة هي ليلة اللحم المشوي . احتفال أسبوعي في البلاد كلها، كل مدينة وكل قرية وكل حي . كل قصاب يعرض اللحم الذي وزعته عليه الحكومة صباح السبت . حسب قدرته وحسب قدرة أهل الحي الذي يسكنه. أكاد أذكر تلك الليلة التي قرر فيها أبي أن يغير نوع اللحم الذي نأكله. كان قد نال ترقية كما قال. اشترى لنا ملابس جديدة، وتعاقد على تجديد أثاث المنزل. وعندما حان يوم السبت قال:
- مللت لحم السجون، نريد تجربة اللحوم الراقية.
كانت تلك أول مرة أرى فيها أحياء الأغنياء. عمارات شاهقة الارتفاع و الطرق ناعمة كالمرآة، والرصيف الذي كنا نسير عليه مستوي بلا نقر ولا مرتفعات. دكان القصاب نفسه كان أقرب للحلم. مرايا وسيراميك ، والزبائن ليسوا من الكادحين أمثال أبي ولا من ذوي الجلاليب كمعظم أهل حينا. هم رجال كنجوم السينما ونساء كالبدر في تمامه. حتى اللحوم مختلفة. في حينا اللحم ازرق من الضرب. قطع صغيرة لا نعرف من أي كائن أتت. أما هنا فالجسد بالكامل معلق على خطاف، مسلوخ لكن الرأس متروك كما هو لتتعرف على الشكل. والرأس آخر ما يباع في الجسد. فرغم وجود لافتة تعريف بجانب الجسد، إلا أن الرأس يترك كضمان لأمانة التاجر. مثلاً ذلك اليوم أبي طار من الفرحة عندما رأى أن الذبيحة المعلقة أمامنا ما هي إلا رئيس تحرير سابق كان يكرهه، لمواقفه الموالية للحكومة . وقف ينظر إليه في شماتة وقال:
- كنت متأكداً من أنهم سيفعلونها معه. لكن لم أظن أنني سأذوق لحمه يوماً.
كانت تلك أول قطعة تقطع من لحمه . كان الإقبال يومها أشد على أجسام صغيرة معلقة. لا أحد منهم يحمل لافتة. قال البائع لأبي:
- أنت أول من يترك لحم الصغار اليوم ويطلب هذا العجوز. لحم الصغار أطيب بكثير.
فسأله أبي:
- ومن هم ؟
- هل تذكر حادث انهيار مبنى المدرسة الأهلية؟
- نعم.
قل الرجل بفخر:
- حصلنا على أجساد جميع أطفال المبنى الميئوس من نجاتهم. لذا فالمكان مزدحم جداً طوال اليوم. تعرف يا أستاذ رغم أن المكان لا يبيع سوى المثقفين إلا أنها كانت صفقة رائعة فلم نتركها .
أشار بيده لبعض الأجساد الأخرى وهو يتحدث عن المثقفين. تعرفنا فيهم على بعض الصحفيين ، صرح أبي وقتها أن معظمهم كان يفترض وجوده في المعتقل. وهناك بعض الأجساد الهزيلة التي لم تجد من يشتري منها. أحدهم أصبح فيما بعد شاعري المفضل.
في ذلك اليوم تناولنا اللحم الذي جلبه أبي للصحفي الكبير. ولم ننقطع بعدها عن أكل ذلك اللحم . وفي تجولي مع أبي كل يوم سبت، لاحظت أن بقية حوانيت اللحم تعرض أنواعاً أخرى من الشخصيات. كل مكان يجذب أهله. هناك من يعرض لحم الفنانين رغم ندرة الحصول عليه. هناك من يعرض لحم الغواني. و لهواة اللحوم السمينة وجدنا من ينادي على لحم الكبار. وهناك لحوم مستوردة لأهل أفريقيا. بعد النضرة التي ظهرت على وجوهنا بتأثير تلك الأنواع من اللحوم، وبانتشار الخبر،كنا نثير حسد أهل الحي الذين يأكلون لحم المساجين.. حتى قرر أبي مغادرة الحي والسكنى مع الكبار،بعد حصوله على ترقية أخرى. وانضممنا بعدها لمدارس الكبار و أنديتهم . ذقت هناك لحماً لا أنسى طعمه. قيل أن هناك ملجأ أطفال يغذيهم بأغذية مخصوصة لتغير طعم لحمهم. ولا توزع إلا للأندية الكبرى فقط والأفراح الخمس نجوم.
نزولي لشراء اللحم لأول مرة منذ سنين لم يكن لشوقي للشراء، ولا رغبة في التمشية. كنت أبحث عن شخص معين. ولكن لم أعلم أين أبحث.لقد كان من المثقفين، وكان من الكبار أيضاً.المكان تغير ولم يعد هناك مكان واحد لكل نوعية. لذا مكثت أبحث كثيراً حتى وجدته. مازالوا يعتبرونه مثقفاً. بل أن المكان كان للمثقفين المعارضين فقط . لم أكن لأندهش لو كنا نعيش في الحي القديم. لكن الآن كيف يكون معارضاً. كان أبي معلقاً من قدميه سليم الجسد. كان الإقبال على الحانوت ضعيفاً لعدم أهمية أصحاب اللحوم فيه. لذا قررت إكراماً له ولصاحب المكان الذي أخذ يعزيني عندما رأى الشبه، أن أشتريه كله. مع حصولي على حسم كبير لصلة القرابة.

Sunday, January 14, 2007

شكة دبوس

المأساة بدأت.... لا أنا لا أعرف متى بدأت المأساة. ربما بدأت منذ حادث الشجرة والأفعى. أنا فقط أعلم متى بدأت معي. يومها كنت أجلس مكانك، كنت أظن حينها أنني أعلم ما لا يعلمه البشر، وبأنهم طوع يدي. و هو؟ مواطن عادي. يعمل في ديوان عام المحافظة. أب لطفل ولا يجد- كما قال لي- ما يطعمه به. فهو شريف. أما ما أتى به إليّ، هو ما أتى بي إليك. زوجته استيقظت ذات ليلة لتجده يصارع شخصاً ما وهو نائم. في البداية ظنت أنه حلم عابر ، وأنه سيصبح طرفة في صباح اليوم التالي. لكن شكله حين استيقظ أفزعها. كدمات وآثار أظافر على وجهه. وعلى ذراعيه آثار قيود. لم يتحدث. فقط ارتدى ملابسه وتناول إفطاره معها، واصطحبها إلى العمل، فهي زميلته. كل هذا كان ليمر بسلام. فهي- كما حكى هو لي- لم تكن لتفضحه مهما رأت، ومهما قال وهو نائم.لكن بعد ذلك بعدة أيام حدثت مشادة كلامية بينهما .سببها أحد المقاولين ، و الذي يحاول تمرير بعض التصاريح، في البدء عن طريقه. ثم عن طريقها للتأثير عليه. ليلتها، وفي وسط نفس الحلم . هب من نومه وهي معه. وجدت نفسها دون سبب تمسك بسرواله ، وكأنها كانت تشده. بينما هو يمسك بيديها متلبسة بالجرم غير المعروف. أبلغ عنه الجيران في الثالثة صباحاً، و بات في الحجز بتهمة ضرب زوجته وإصابتها بكدمات وجروح. وأمام النيابة شهد الرجل بأنه ومنذ عدة أيام يحلم كل ليلة بأن هناك من يحاول هتك عرضه. وبأنه يقاومه بكل ما يملك. أما ما حدث لزوجته في الليلة الأخيرة، سببه أنه حلم بها. في البدء كانت تضاجع شخصاً مجهولاً. وبعد الانتهاء التفتا إليه. وأخذت تعاون نفس الرجل على زوجها. كانت تحاول خلع سرواله. استيقظ ليجدها تخلع سرواله بالفعل. وأخذ يدعي أنها مؤامرة ضده، وأن زوجته تشترك فيها. قامت النيابة بتحويله إليّ. لم أصدقه وقتها. تماماً كما لا تصدقني أنت الآن. فأمثاله مروا عليّ كثيراً. لفت نظري فيه بريق عينيه، وحماسه وهو يريني الكدمات وآثار الشجار. طلب مني الكشف على زوجته لإثبات الزنا. وقال أنها ستستغل غيابه في العمل لتمرر التصاريح للمقاول.نويت أن أقدم تقريري بإصابته بحالة بارانويا . ولكنني أرجأت حسم الموضوع حتى جلسة أخرى. كانت بعد ثلاثة أيام فقط. ولكنه كان إنساناً آخر. هادئاً وديعاً، بلا حماس وبلا بريق في عينيه. عرفت أن زوجته بدلت أقوالها أمام النيابة. وبأنهما تصالحا. سألته فقال:
- لا شيء. ساوموني على براءتي فقبلت.
ثم قال:
- أنا أنكر كل ما قلته في المرة السابقة. يمكنك اعتباره حالة اكتئاب أو انهيار عصبي. كما تشاء اكتب . و لكن أخرجني من هنا.
سألته:
- والحلم؟
رد بكل هدوء:
- راودني مرة واحدة بعدما قبلت المساومة. الموضوع ليس سيئاً كما ظننت فهي مجرد شكة دبوس. بعدها الأمر سهل. و مجرد ألم بسيط في الشرج. ولكن سأعتاد عليه كالبقية.
استوقفتني كلمة البقية فسألته:
- أي بقية؟
ابتسم وقال:
- هل تظن أنني وحدي؟ انظر حولك.
اعتبرت أن حالته مازالت غير مستقرة وقدمت تقريري النهائي. لكن فوجئت بإخراجه. سألت فعلمت أن تقريراً آخر تم تقديمه من رئيسي. ذهبت إليه في مكتبه. كان يجوب الغرفة جيئة وذهاباً. عندما فاتحته في الموضوع نهرني قائلاً:
- الرجل سليم عقلياً. والحكاية التي حكاها ناتجة عن شد عصبي شفي منه. وزوجته صالحته. لم تريد أنت أن تفتعل معركة دون داعي؟
لم أجد ما أقوله، هممت بالذهاب ولكنه استوقفني . دعاني للجلوس في لهجة ودية فجلست. اتجه إلى كرسيه ليجلس أمامي. ما أن لمس المقعد حتى صدر منه آهة ألم . لم أنتبه إلى ما قاله. ربما كانت تلك الآهة لأي سبب آخر. ولكنني تذكرت كلام المريض:
- انظر حولك.
لم أعرف من أين أبدأ. كل ما عرفته أنني يجب أن أعلم أكثر . ولكن كيف؟ لي صديق تخصص في الجهاز الهضمي والقولون والبواسير. سألته في زيارة لاستعادة الأيام الخوالي.
- هل تأتيك حالات تشكو من ألم في فتحة الشرج؟.
ابتسم وقال في دهشة:
- أكثر مما تتخيل.
حاولت أن أعرف أي معلومة ولكنه تهرب متعللاً بقسم الأطباء . لم أجد بداً من عمل غزوة ليلية على عيادته للإطلاع على ملفات المرضى. هذه جريمة أخرى يمكنك أن تبلغ بها رئيس النيابة.تخيل وجدتهم بالعشرات.من كل فئات الشعب،عدا الكبار طبعاً . كل منهم تقدم للطبيب بعلة وجع في فتحة الشرج. وكلهم بالكشف عليهم وجد حالة تهتك بالمستقيم. ناتج عن جسم غريب تم إدخاله عدة مرات. أنت مندهش؟. أنا أيضاً كنت كذلك. وازدادت دهشتي حين قمت ببعض التحريات عن بضعة أشخاص منهم. لن أثقل عليك فأكيد أنت خمنت السبب. ولكن ليس كلهم. هناك من كانت حياتهم بائسة، هؤلاء لم يستسلموا ، قاوموا وهزموا. والأمر ليس دائماً مثل شكة الدبوس.هناك من يتألم في كل مرة. حسب الشخص. في النهاية كلهم وكلهن نفس المصير. سواء قاومت أم لا. لذا فالجزء الأعظم يستسلم. الموضوع أقوى مني ومنك. وله جوانب شتى. فلم لا يخضعون ويريحون أنفسهم؟ . ولكنني لم أتعظ. قررت فضح الأمر. طلبت الكشف على جميع فئات الشعب. والتحقيق مع كل من هتك عرضه. لمعرفة هل استسلم أم قاوم. كيف سنعرف؟ هناك طرق عدة. لذا أتوا بي إلى هنا. أعلم أنك تصدقني. لأنك لو نظرت حولك ستعلم. وأمامك خياران: إما أن تكون معي وتنضم إلي في المصير، وتشاهد نفس كوابيسي. أو تكتب التقرير الذي سيطلبونه منك. حينها سيرضون عنك. وربما يمنحونك ترقية. والأمر لن يكلفك الكثير ،مجرد شكة دبوس، وزيارة للطبيب. بعدها ستطلبها بنفسك.
لا ترد الآن، سأرى الإجابة على وجهك غداً.

Tuesday, November 14, 2006

الأسياد

صدقني يا صديقي. سيدنا الجديد أفضل من أبيه. أنت فقط متشائم. هل نسيت الماضي بتلك السرعة؟ هل نسيت الضرب والتعذيب والعمل الشاق؟ أنا شخصياً كم ضربت وأهنت ، و كم تم تعذيبي عندما أردت الاقتراب من إحداهن. كانت تسير أمامي وتسحرني برائحتها النفاذة. نسيت أنه وقت العمل ، وأن التعليمات أن نحافظ على قوتنا ليسخرها السيد في العمل. سرت وراءها، وقبل أن أفعل أي شيء فوجئت برجاله تنشق عنهم الأرض. وكانت ليلة سوداء بلا طعام ولا شراب، ولا شيء غير السوط. ألم يحدث معك ذلك أيضاً لسبب أبسط؟. لماذا إذن تكره سيدنا الجديد، الذي أراحنا من العمل، وجعل حياتنا أكل ونوم، نجلس مع الجميلات طوال النهار بلا مشاكل ولا عقوبات.ولماذا تهتم بالآخرين؟ إنهم اختاروا العمل الشاق والضرب والبعد عن المتع، لم يتعظوا بسيرتنا. فليذهبوا في داهية. آه،أنظر إليه، كم هو جميل الشكل. إنه يقف أمام الباب، يبدو أنه يريد إلقاء التحية، ترى ماذا يقول للخادم؟ يبدو أنه يتحدث عنا، ها هو يشير إلينا. اعتدل في جلستك. صباح الخير يا سيدي.

- أف ، يا له من صوت مزعج، هل هو دائماً هكذا؟

- نعم يا سيدي منذ أن تم نقله هنا وهو لا يكف عن إزعاج جميع من يعملون حول المكان بصوته .

- حيوان مزعج. متى قمنا بخصيه ؟

- منذ عدة أشهر يا سيدي.

- لهذا أصبح سمينا هكذا. اذبحه ووفر أكله. وزع على الفقراء والعمال واجلب لي لحماً يصلح للشواء.

- حاضر يا سيدي.سيدعو لك الجميع بالخير

- هل هناك شيء آخر؟

- هناك ثور آخر ضبطناه يركب بقرة اليوم.

- اتركه هذه المرة، في المرة القادمة اضربه. لو كررها اخصه وخلصنا. آه. أجِّر الثور الأبيض من المزرعة المجاورة لمدة أسبوع ،لكي يعشِّر بقراتنا ونخلص من إزعاج الثيران الأخرى.

- حاضر يا سيدي. حفظك الله لنا. سندعو لك جميعا، حفظك الله للجميع.

Thursday, October 19, 2006

بلادي

أخذت أبحث وسط الوجوه عن شخصٍ مثلي، عن ملامح مثل ملامحي. لكنني لم أجد. لم أيأس فهم ألوف ، ربما غابت الوجوه التي أبحث عنها وسطهم. وربما النجوم المتلألئة تخفي الوجوه المظلمة مثل وجهي. فهناك بعض نجوم السينما، وبعض نجوم الصحافة، والسياسة، والأعمال، والرياضة .بل لمحت عدداً من الشيوخ والدعاة. كلهم أتوا في الميعاد المتفق عليه تماماً. بينما نحن أتينا قبلها بساعة وظللنا جالسين محاطين بعساكر الأمن. و قبل الموعد بقليل أصدر الضباط الأوامر بالتفتيش عن أي ممنوعات. أسفر البحث عن لا شيء سوى الأعلام الغير ممنوعة. لا أعلام للحرق ولا أدوات تخريب. هكذا تأكدوا أن الجو سلمي. بعدها مباشرة ظهرت النجوم تباعاً. ووقف أحد نجوم البلاد ، وشمسها المستقبلية، وقف وبيده مكبر صوت، أعلى درج مؤدي لأحد المباني الوزارية. عن يمينه داعية شهير بلباس ديني، وبجانبه ممثل الكنيسة، وعن يساره رجل أعمال شهير وأحد كبار الحزب.
- مساء الخير ، طبعاً أنا سعيد بكم وبتواجدكم هنا لمساندة شعوب شقيقة وعزيزة علينا كلنا.والتنديد بالعدوان وضرب المدنيين والأبرياء . وأحب أقول لكم أن كلنا معكم هنا، وكلنا نشعر بالألم مثلكم، وكلنا نريد رفع الظلم والحياة في سلام. و أنا سعيد وفخور برموز الأمة التي اجتمعت اليوم للتنديد بالعدوان. السادة الفنانون والإعلاميون، و الشيوخ والقساوسة ورجال الأحزاب المعارضة. لم يتأخر أحد عن دعوة الحزب بالتضامن . طبعاً لن أذكركم بأن هذه مظاهرة سلمية. والهتافات ستكون هتافات تشد من أزر الشعوب المكروبة، وتندد بالعدوان. لا نريد أي هتافات خارجة ، فقط هتاف عادي ورفع أعلام الدول العربية ، للتأكيد على وحدتنا. وعلى فكرة هناك دول شقيقة ستقوم بنفس المظاهرة في نفس التوقيت. العالم كله يرانا الآن، نريد صورة رائعة للوطن. خط سير المظاهرة معروف. على بركة الله نبدأ.
تحرك هو ومن معه، ورجال يحملون الكاميرات يرافقونه. تبعهم بعض الأشخاص ذوي النظارات السوداء،ثم النجوم تباعاً. كل هذا ونحن محاطين بالعسكر حتى ينتظم ركب القيادة. ثم تم السماح لبعض الأفراد للخروج، وفورا تم رفع بعضهم على الأكتاف. وظهرت لافتات كبيرة فجأة وسارت أمامنا. وعندما بدأ الهتاف تركونا نتحرك، وإن ظل الحصار من الجانبين.
- لا لضرب المدنيين لا لقتل الآمنين
- لا لسفك الدماء لا لقتل الأبرياء.
- لا لتدمير البيوت لا لتدمير المدارس. أين حرمة المساجد وأين حرمة الكنائس.
وهكذا سرنا ، والهتاف يقال ويردد بحماس شديد. تأكدت أنني لن أجد وجهاً مثل وجهي. أخذت أتأمل الأعلام حولي. والهتافات تصم أذني. تلك أول مظاهرة أخرج فيها. عندما كان أصدقائي يطلبون مني الخروج معهم كنت أرفض. هذه المرة لم أتحمل، و لم أجد صديقاً لكي أخرج معه في مظاهرة، فأنا لا أعرف كيف ومتى تقوم المظاهرة. قرأت الإعلان في الجرائد فأتيت.
وصلنا لميدان آخر. المظاهرة تكاد تنتهي، وأنا لا أشعر بأي شيء. توقعت أن أفرِغ غضبي فإذا به يزداد. كدت أن أبكي ، ولكن الغضب كان أقوى.وجدتني أعتصر شيئاً بين يدي، إذا به أحد الأعلام التي قاموا بتوزيعها علينا.لم أنتبه له في يدي إلا الآن. نظرت إليه، وكأنني أراه لأول مرة، رغم أنه علم بلادي. أخذنا نلف حول حديقة صغيرة محيطة لتمثال ضخم لأحد عظماء الماضي. كانت الحديقة حولها سور به فتحة صغيرة ، لا أدري من صنع تلك الفتحة، أهو الزمن أم الناس ؟ لم أشعر بنفسي إلا و أنا في الحديقة. ارتقيت قاعدة التمثال بسهولة، لم يكن أحد ينتبه لما أفعله . الهتافات تضعف والجمع بدأ يتوقف لينهي المظاهرة. عندما أصبحت في مكان عال يطل على الميدان رفعت العلم عالياً. رآني صاحب مكبر الصوت الذي كان توقف ليقول كلمة أخيرة. عندما نظر إليّ ابتسم ، فوجدت جميع العيون والعدسات موجهة إليّ. عاد الهتاف قوياً، متخذاً من تلك اللحظة الوطنية حجة قوية. لكن عندما قمت بإخراج علبة سجائري، وبسرعة شديدة رغم ارتعاش يدي، أخرجت منها القداحة الصغيرة ، وأشعلت النار. حينئذ صمت الهتاف، واتسعت العيون، وأضاء وجهي بنار علم بلادي المحترق.

Monday, January 16, 2006

هل الله يملك ولا يحكم؟

ورد في احد روايات نجيب محفوظ تساؤل بين مجموعة من شباب النكسة . سأل أحدهم( هل الله موجود أم لا؟) رد آخر( لنفرض انه موجود. يبدو أنه يملك ولا يحكم) . توقفت أمام هذه العبارة كثيراً وتساءلت. هل هذا صحيح؟ . كنت دائماً أبحث عن إجابة للسؤال الأزلي المرفوض" هل الإنسان مسير أم مخير؟" . هذان السؤالان لا أستطيع الإجابة عنهما اولهما لأن الإجابة عند الجميع لا تقنعني فالجميع سيقول الله يملك ويحكم يا ..... . ولكن كيف يحكم وأنا لم أر العدل ينتصر إلا على أيدي الأنبياء. وبعدهم يحاول الخيار إكمال المسيرة فيفيق الشر من سباته ويهزم الخير مرة أخرى. . بعد يوسف وموسى والمسيح ومحمد. كما قال محفوظ عن حارة الجبلاوي. "المتأمل لحال حارتنا لا يصدق ما تقوله الرباب. من جبل؟ ومن رفاعة ومن قاسم؟ وأين هم خارج نطاق القهوات" وبالتالي نحن نقول.:" المتامل لحال عالمنا لن يصدق ما يقال عن الأنبياء. من موسى ومن عيسى ومن محمد؟ أين هم وأين عقائدهم خارج نطاق الكتب المقدسة ودور العبادة؟" لماذا لم ينتصر أخناتون و سبارتاكوس وهانيبال وجيفارا وعرابي؟. لماذا لم ينتصر علي بن أبي طالب والحسين؟ . لِم لم ينصر الله الأخيار؟ هل هذه إرادته. أم انه لا يتدخل؟ هل يضع للإنسان قدره؟ أم أن الإنسان يفعل ما يشاء؟ وهل كان الأنبياء محاولات لإصلاح العالم. هل الأنبياء وهلاك أعداء الله على أيديهم هو تدخل الله الوحيد في حياتنا؟ . أتتني إجابة أقنعتني. قصيدة امل دنقل" سفر التكوين" فيها يتحدث الشاعر بلسان الله. أنه بعد ان خلق الكون قال" فيكن الحب في الأرض" ثم انزل الخير لينعم به الماس. فرأى وهو جالس على عرشه في ماء الينبوع أن الإنسان نسى الحب. بنى أسواره حول أرض الله وتملكها. باع لأخوته الخبز والماء. قال الله ليكن العدل في الأرض"عيناً بعين وسناً بسن". فرأى الإنسان يذبح أخاه. يقتل من ليس له كفواً. رأى أبناء العدل على الصلبان او مقتولين في زوايا المدن. العدل قتل تحت كرسي الحكم. قال فليكن العقل في الأرض. فرأى الإنسان مجنوناً يفجر نفسه. يقتلع الشجر يملأ صفحة النهر بالزيت. يحرم أخاه من دخول وطنه. بصراحة هذه القصيدة نوعاً ما أراحتني. وحتى أجد الإجابة الكاملة سأصدق القصيدة. أو سأصدق ما قيل في فيلم ماتريكس. " أنت فعلت قبل أن توجد. أنت هنا لتفهم لماذا

Tuesday, May 10, 2005

السعادة

zohny
قرات إحدى روايات محفوظ "عصر الحب" تساءلت بعدها:" كيف ولماذا نشعر بالسعادة إذا كنا نعلم انها لن تدوم وان نهايتنا هي اليأس" هذا هو سؤال حياتي. المفترض في الناس أنهم يبحثوا عن إجابة. لكنني اكتشفت أنني كنت أبحث عن السؤال.

Wednesday, April 27, 2005

التعصب

هناك من يظن أن التعصب والانغلاق الديني هي صفة في المسلمين. من خلال ما أراه فهذا صحيح. لكن ليس فقط المسلمين. فالمسيحيين أيضاً في بلاد العرب لديهم نفس التشدد بل ونفس الأفكار والشعور نحو الآخر.بل ومن الممكن القول أن من ليس لهم دين ستجدهم متشددين ويسخرون من المتدينيين. ليس أدل على ذلك من موقف الكنيسة المسيحية في لبنان من كتاب شفرة دافنشي. لمجرد أنه يناقش فكرة طبيعة المسيح. أما في مصر فلم يأت أحد على ذكرها. ربما استمراراً في سلسلة النفاق المتبادل بين المسلمين والمسيحيين هنا أمام الكاميرات وعلى صفحات بريد الأهرام. فلو حدث ومنعوا كتاب عن الإسلام لثارت الدنيا . واتهموا أنفسهم بالتخلف. ولو تم حبس صحافي لتطاوله على شيخ أزهري لاتهموا الإسلام بالتشدد.ولو أجبروا شخص على الدخول في الإسلام لقامت الدنيا. بينما ها هو كتاب يمنع لعدم جرح شعور المسيحيين. وها هو صحفي يسجن في حادثة الراهب المشلوح الشهيرة. وكم سمعنا عن مسيحيات دخلن في الإسلام فقام البابا بالاعتكاف اعتراضاًحتى يقوم رجال الأمن بإعادة المسلمة إلى أهلها وكأنها أخطأت باختيار حرية الدين.نعم هناك حوادث احتكاك بين المسلمين والمسيحيين وهناك تحجج من الغرب باضطهاد المسيحيين. لكنني واثق أن لو كان المسيحيون أكثرية لحدث نفس الشيء. لأن التشدد ليس صفة ورثها لنا الشيوخ وإنما شربناها في ماء النيل.