Tuesday, November 14, 2006

الأسياد

صدقني يا صديقي. سيدنا الجديد أفضل من أبيه. أنت فقط متشائم. هل نسيت الماضي بتلك السرعة؟ هل نسيت الضرب والتعذيب والعمل الشاق؟ أنا شخصياً كم ضربت وأهنت ، و كم تم تعذيبي عندما أردت الاقتراب من إحداهن. كانت تسير أمامي وتسحرني برائحتها النفاذة. نسيت أنه وقت العمل ، وأن التعليمات أن نحافظ على قوتنا ليسخرها السيد في العمل. سرت وراءها، وقبل أن أفعل أي شيء فوجئت برجاله تنشق عنهم الأرض. وكانت ليلة سوداء بلا طعام ولا شراب، ولا شيء غير السوط. ألم يحدث معك ذلك أيضاً لسبب أبسط؟. لماذا إذن تكره سيدنا الجديد، الذي أراحنا من العمل، وجعل حياتنا أكل ونوم، نجلس مع الجميلات طوال النهار بلا مشاكل ولا عقوبات.ولماذا تهتم بالآخرين؟ إنهم اختاروا العمل الشاق والضرب والبعد عن المتع، لم يتعظوا بسيرتنا. فليذهبوا في داهية. آه،أنظر إليه، كم هو جميل الشكل. إنه يقف أمام الباب، يبدو أنه يريد إلقاء التحية، ترى ماذا يقول للخادم؟ يبدو أنه يتحدث عنا، ها هو يشير إلينا. اعتدل في جلستك. صباح الخير يا سيدي.

- أف ، يا له من صوت مزعج، هل هو دائماً هكذا؟

- نعم يا سيدي منذ أن تم نقله هنا وهو لا يكف عن إزعاج جميع من يعملون حول المكان بصوته .

- حيوان مزعج. متى قمنا بخصيه ؟

- منذ عدة أشهر يا سيدي.

- لهذا أصبح سمينا هكذا. اذبحه ووفر أكله. وزع على الفقراء والعمال واجلب لي لحماً يصلح للشواء.

- حاضر يا سيدي.سيدعو لك الجميع بالخير

- هل هناك شيء آخر؟

- هناك ثور آخر ضبطناه يركب بقرة اليوم.

- اتركه هذه المرة، في المرة القادمة اضربه. لو كررها اخصه وخلصنا. آه. أجِّر الثور الأبيض من المزرعة المجاورة لمدة أسبوع ،لكي يعشِّر بقراتنا ونخلص من إزعاج الثيران الأخرى.

- حاضر يا سيدي. حفظك الله لنا. سندعو لك جميعا، حفظك الله للجميع.

Thursday, October 19, 2006

بلادي

أخذت أبحث وسط الوجوه عن شخصٍ مثلي، عن ملامح مثل ملامحي. لكنني لم أجد. لم أيأس فهم ألوف ، ربما غابت الوجوه التي أبحث عنها وسطهم. وربما النجوم المتلألئة تخفي الوجوه المظلمة مثل وجهي. فهناك بعض نجوم السينما، وبعض نجوم الصحافة، والسياسة، والأعمال، والرياضة .بل لمحت عدداً من الشيوخ والدعاة. كلهم أتوا في الميعاد المتفق عليه تماماً. بينما نحن أتينا قبلها بساعة وظللنا جالسين محاطين بعساكر الأمن. و قبل الموعد بقليل أصدر الضباط الأوامر بالتفتيش عن أي ممنوعات. أسفر البحث عن لا شيء سوى الأعلام الغير ممنوعة. لا أعلام للحرق ولا أدوات تخريب. هكذا تأكدوا أن الجو سلمي. بعدها مباشرة ظهرت النجوم تباعاً. ووقف أحد نجوم البلاد ، وشمسها المستقبلية، وقف وبيده مكبر صوت، أعلى درج مؤدي لأحد المباني الوزارية. عن يمينه داعية شهير بلباس ديني، وبجانبه ممثل الكنيسة، وعن يساره رجل أعمال شهير وأحد كبار الحزب.
- مساء الخير ، طبعاً أنا سعيد بكم وبتواجدكم هنا لمساندة شعوب شقيقة وعزيزة علينا كلنا.والتنديد بالعدوان وضرب المدنيين والأبرياء . وأحب أقول لكم أن كلنا معكم هنا، وكلنا نشعر بالألم مثلكم، وكلنا نريد رفع الظلم والحياة في سلام. و أنا سعيد وفخور برموز الأمة التي اجتمعت اليوم للتنديد بالعدوان. السادة الفنانون والإعلاميون، و الشيوخ والقساوسة ورجال الأحزاب المعارضة. لم يتأخر أحد عن دعوة الحزب بالتضامن . طبعاً لن أذكركم بأن هذه مظاهرة سلمية. والهتافات ستكون هتافات تشد من أزر الشعوب المكروبة، وتندد بالعدوان. لا نريد أي هتافات خارجة ، فقط هتاف عادي ورفع أعلام الدول العربية ، للتأكيد على وحدتنا. وعلى فكرة هناك دول شقيقة ستقوم بنفس المظاهرة في نفس التوقيت. العالم كله يرانا الآن، نريد صورة رائعة للوطن. خط سير المظاهرة معروف. على بركة الله نبدأ.
تحرك هو ومن معه، ورجال يحملون الكاميرات يرافقونه. تبعهم بعض الأشخاص ذوي النظارات السوداء،ثم النجوم تباعاً. كل هذا ونحن محاطين بالعسكر حتى ينتظم ركب القيادة. ثم تم السماح لبعض الأفراد للخروج، وفورا تم رفع بعضهم على الأكتاف. وظهرت لافتات كبيرة فجأة وسارت أمامنا. وعندما بدأ الهتاف تركونا نتحرك، وإن ظل الحصار من الجانبين.
- لا لضرب المدنيين لا لقتل الآمنين
- لا لسفك الدماء لا لقتل الأبرياء.
- لا لتدمير البيوت لا لتدمير المدارس. أين حرمة المساجد وأين حرمة الكنائس.
وهكذا سرنا ، والهتاف يقال ويردد بحماس شديد. تأكدت أنني لن أجد وجهاً مثل وجهي. أخذت أتأمل الأعلام حولي. والهتافات تصم أذني. تلك أول مظاهرة أخرج فيها. عندما كان أصدقائي يطلبون مني الخروج معهم كنت أرفض. هذه المرة لم أتحمل، و لم أجد صديقاً لكي أخرج معه في مظاهرة، فأنا لا أعرف كيف ومتى تقوم المظاهرة. قرأت الإعلان في الجرائد فأتيت.
وصلنا لميدان آخر. المظاهرة تكاد تنتهي، وأنا لا أشعر بأي شيء. توقعت أن أفرِغ غضبي فإذا به يزداد. كدت أن أبكي ، ولكن الغضب كان أقوى.وجدتني أعتصر شيئاً بين يدي، إذا به أحد الأعلام التي قاموا بتوزيعها علينا.لم أنتبه له في يدي إلا الآن. نظرت إليه، وكأنني أراه لأول مرة، رغم أنه علم بلادي. أخذنا نلف حول حديقة صغيرة محيطة لتمثال ضخم لأحد عظماء الماضي. كانت الحديقة حولها سور به فتحة صغيرة ، لا أدري من صنع تلك الفتحة، أهو الزمن أم الناس ؟ لم أشعر بنفسي إلا و أنا في الحديقة. ارتقيت قاعدة التمثال بسهولة، لم يكن أحد ينتبه لما أفعله . الهتافات تضعف والجمع بدأ يتوقف لينهي المظاهرة. عندما أصبحت في مكان عال يطل على الميدان رفعت العلم عالياً. رآني صاحب مكبر الصوت الذي كان توقف ليقول كلمة أخيرة. عندما نظر إليّ ابتسم ، فوجدت جميع العيون والعدسات موجهة إليّ. عاد الهتاف قوياً، متخذاً من تلك اللحظة الوطنية حجة قوية. لكن عندما قمت بإخراج علبة سجائري، وبسرعة شديدة رغم ارتعاش يدي، أخرجت منها القداحة الصغيرة ، وأشعلت النار. حينئذ صمت الهتاف، واتسعت العيون، وأضاء وجهي بنار علم بلادي المحترق.

Monday, January 16, 2006

هل الله يملك ولا يحكم؟

ورد في احد روايات نجيب محفوظ تساؤل بين مجموعة من شباب النكسة . سأل أحدهم( هل الله موجود أم لا؟) رد آخر( لنفرض انه موجود. يبدو أنه يملك ولا يحكم) . توقفت أمام هذه العبارة كثيراً وتساءلت. هل هذا صحيح؟ . كنت دائماً أبحث عن إجابة للسؤال الأزلي المرفوض" هل الإنسان مسير أم مخير؟" . هذان السؤالان لا أستطيع الإجابة عنهما اولهما لأن الإجابة عند الجميع لا تقنعني فالجميع سيقول الله يملك ويحكم يا ..... . ولكن كيف يحكم وأنا لم أر العدل ينتصر إلا على أيدي الأنبياء. وبعدهم يحاول الخيار إكمال المسيرة فيفيق الشر من سباته ويهزم الخير مرة أخرى. . بعد يوسف وموسى والمسيح ومحمد. كما قال محفوظ عن حارة الجبلاوي. "المتأمل لحال حارتنا لا يصدق ما تقوله الرباب. من جبل؟ ومن رفاعة ومن قاسم؟ وأين هم خارج نطاق القهوات" وبالتالي نحن نقول.:" المتامل لحال عالمنا لن يصدق ما يقال عن الأنبياء. من موسى ومن عيسى ومن محمد؟ أين هم وأين عقائدهم خارج نطاق الكتب المقدسة ودور العبادة؟" لماذا لم ينتصر أخناتون و سبارتاكوس وهانيبال وجيفارا وعرابي؟. لماذا لم ينتصر علي بن أبي طالب والحسين؟ . لِم لم ينصر الله الأخيار؟ هل هذه إرادته. أم انه لا يتدخل؟ هل يضع للإنسان قدره؟ أم أن الإنسان يفعل ما يشاء؟ وهل كان الأنبياء محاولات لإصلاح العالم. هل الأنبياء وهلاك أعداء الله على أيديهم هو تدخل الله الوحيد في حياتنا؟ . أتتني إجابة أقنعتني. قصيدة امل دنقل" سفر التكوين" فيها يتحدث الشاعر بلسان الله. أنه بعد ان خلق الكون قال" فيكن الحب في الأرض" ثم انزل الخير لينعم به الماس. فرأى وهو جالس على عرشه في ماء الينبوع أن الإنسان نسى الحب. بنى أسواره حول أرض الله وتملكها. باع لأخوته الخبز والماء. قال الله ليكن العدل في الأرض"عيناً بعين وسناً بسن". فرأى الإنسان يذبح أخاه. يقتل من ليس له كفواً. رأى أبناء العدل على الصلبان او مقتولين في زوايا المدن. العدل قتل تحت كرسي الحكم. قال فليكن العقل في الأرض. فرأى الإنسان مجنوناً يفجر نفسه. يقتلع الشجر يملأ صفحة النهر بالزيت. يحرم أخاه من دخول وطنه. بصراحة هذه القصيدة نوعاً ما أراحتني. وحتى أجد الإجابة الكاملة سأصدق القصيدة. أو سأصدق ما قيل في فيلم ماتريكس. " أنت فعلت قبل أن توجد. أنت هنا لتفهم لماذا