Friday, April 20, 2007

لحم مشوي

اليوم هو السبت، والليلة هي ليلة اللحم المشوي . احتفال أسبوعي في البلاد كلها، كل مدينة وكل قرية وكل حي . كل قصاب يعرض اللحم الذي وزعته عليه الحكومة صباح السبت . حسب قدرته وحسب قدرة أهل الحي الذي يسكنه. أكاد أذكر تلك الليلة التي قرر فيها أبي أن يغير نوع اللحم الذي نأكله. كان قد نال ترقية كما قال. اشترى لنا ملابس جديدة، وتعاقد على تجديد أثاث المنزل. وعندما حان يوم السبت قال:
- مللت لحم السجون، نريد تجربة اللحوم الراقية.
كانت تلك أول مرة أرى فيها أحياء الأغنياء. عمارات شاهقة الارتفاع و الطرق ناعمة كالمرآة، والرصيف الذي كنا نسير عليه مستوي بلا نقر ولا مرتفعات. دكان القصاب نفسه كان أقرب للحلم. مرايا وسيراميك ، والزبائن ليسوا من الكادحين أمثال أبي ولا من ذوي الجلاليب كمعظم أهل حينا. هم رجال كنجوم السينما ونساء كالبدر في تمامه. حتى اللحوم مختلفة. في حينا اللحم ازرق من الضرب. قطع صغيرة لا نعرف من أي كائن أتت. أما هنا فالجسد بالكامل معلق على خطاف، مسلوخ لكن الرأس متروك كما هو لتتعرف على الشكل. والرأس آخر ما يباع في الجسد. فرغم وجود لافتة تعريف بجانب الجسد، إلا أن الرأس يترك كضمان لأمانة التاجر. مثلاً ذلك اليوم أبي طار من الفرحة عندما رأى أن الذبيحة المعلقة أمامنا ما هي إلا رئيس تحرير سابق كان يكرهه، لمواقفه الموالية للحكومة . وقف ينظر إليه في شماتة وقال:
- كنت متأكداً من أنهم سيفعلونها معه. لكن لم أظن أنني سأذوق لحمه يوماً.
كانت تلك أول قطعة تقطع من لحمه . كان الإقبال يومها أشد على أجسام صغيرة معلقة. لا أحد منهم يحمل لافتة. قال البائع لأبي:
- أنت أول من يترك لحم الصغار اليوم ويطلب هذا العجوز. لحم الصغار أطيب بكثير.
فسأله أبي:
- ومن هم ؟
- هل تذكر حادث انهيار مبنى المدرسة الأهلية؟
- نعم.
قل الرجل بفخر:
- حصلنا على أجساد جميع أطفال المبنى الميئوس من نجاتهم. لذا فالمكان مزدحم جداً طوال اليوم. تعرف يا أستاذ رغم أن المكان لا يبيع سوى المثقفين إلا أنها كانت صفقة رائعة فلم نتركها .
أشار بيده لبعض الأجساد الأخرى وهو يتحدث عن المثقفين. تعرفنا فيهم على بعض الصحفيين ، صرح أبي وقتها أن معظمهم كان يفترض وجوده في المعتقل. وهناك بعض الأجساد الهزيلة التي لم تجد من يشتري منها. أحدهم أصبح فيما بعد شاعري المفضل.
في ذلك اليوم تناولنا اللحم الذي جلبه أبي للصحفي الكبير. ولم ننقطع بعدها عن أكل ذلك اللحم . وفي تجولي مع أبي كل يوم سبت، لاحظت أن بقية حوانيت اللحم تعرض أنواعاً أخرى من الشخصيات. كل مكان يجذب أهله. هناك من يعرض لحم الفنانين رغم ندرة الحصول عليه. هناك من يعرض لحم الغواني. و لهواة اللحوم السمينة وجدنا من ينادي على لحم الكبار. وهناك لحوم مستوردة لأهل أفريقيا. بعد النضرة التي ظهرت على وجوهنا بتأثير تلك الأنواع من اللحوم، وبانتشار الخبر،كنا نثير حسد أهل الحي الذين يأكلون لحم المساجين.. حتى قرر أبي مغادرة الحي والسكنى مع الكبار،بعد حصوله على ترقية أخرى. وانضممنا بعدها لمدارس الكبار و أنديتهم . ذقت هناك لحماً لا أنسى طعمه. قيل أن هناك ملجأ أطفال يغذيهم بأغذية مخصوصة لتغير طعم لحمهم. ولا توزع إلا للأندية الكبرى فقط والأفراح الخمس نجوم.
نزولي لشراء اللحم لأول مرة منذ سنين لم يكن لشوقي للشراء، ولا رغبة في التمشية. كنت أبحث عن شخص معين. ولكن لم أعلم أين أبحث.لقد كان من المثقفين، وكان من الكبار أيضاً.المكان تغير ولم يعد هناك مكان واحد لكل نوعية. لذا مكثت أبحث كثيراً حتى وجدته. مازالوا يعتبرونه مثقفاً. بل أن المكان كان للمثقفين المعارضين فقط . لم أكن لأندهش لو كنا نعيش في الحي القديم. لكن الآن كيف يكون معارضاً. كان أبي معلقاً من قدميه سليم الجسد. كان الإقبال على الحانوت ضعيفاً لعدم أهمية أصحاب اللحوم فيه. لذا قررت إكراماً له ولصاحب المكان الذي أخذ يعزيني عندما رأى الشبه، أن أشتريه كله. مع حصولي على حسم كبير لصلة القرابة.

Sunday, January 14, 2007

شكة دبوس

المأساة بدأت.... لا أنا لا أعرف متى بدأت المأساة. ربما بدأت منذ حادث الشجرة والأفعى. أنا فقط أعلم متى بدأت معي. يومها كنت أجلس مكانك، كنت أظن حينها أنني أعلم ما لا يعلمه البشر، وبأنهم طوع يدي. و هو؟ مواطن عادي. يعمل في ديوان عام المحافظة. أب لطفل ولا يجد- كما قال لي- ما يطعمه به. فهو شريف. أما ما أتى به إليّ، هو ما أتى بي إليك. زوجته استيقظت ذات ليلة لتجده يصارع شخصاً ما وهو نائم. في البداية ظنت أنه حلم عابر ، وأنه سيصبح طرفة في صباح اليوم التالي. لكن شكله حين استيقظ أفزعها. كدمات وآثار أظافر على وجهه. وعلى ذراعيه آثار قيود. لم يتحدث. فقط ارتدى ملابسه وتناول إفطاره معها، واصطحبها إلى العمل، فهي زميلته. كل هذا كان ليمر بسلام. فهي- كما حكى هو لي- لم تكن لتفضحه مهما رأت، ومهما قال وهو نائم.لكن بعد ذلك بعدة أيام حدثت مشادة كلامية بينهما .سببها أحد المقاولين ، و الذي يحاول تمرير بعض التصاريح، في البدء عن طريقه. ثم عن طريقها للتأثير عليه. ليلتها، وفي وسط نفس الحلم . هب من نومه وهي معه. وجدت نفسها دون سبب تمسك بسرواله ، وكأنها كانت تشده. بينما هو يمسك بيديها متلبسة بالجرم غير المعروف. أبلغ عنه الجيران في الثالثة صباحاً، و بات في الحجز بتهمة ضرب زوجته وإصابتها بكدمات وجروح. وأمام النيابة شهد الرجل بأنه ومنذ عدة أيام يحلم كل ليلة بأن هناك من يحاول هتك عرضه. وبأنه يقاومه بكل ما يملك. أما ما حدث لزوجته في الليلة الأخيرة، سببه أنه حلم بها. في البدء كانت تضاجع شخصاً مجهولاً. وبعد الانتهاء التفتا إليه. وأخذت تعاون نفس الرجل على زوجها. كانت تحاول خلع سرواله. استيقظ ليجدها تخلع سرواله بالفعل. وأخذ يدعي أنها مؤامرة ضده، وأن زوجته تشترك فيها. قامت النيابة بتحويله إليّ. لم أصدقه وقتها. تماماً كما لا تصدقني أنت الآن. فأمثاله مروا عليّ كثيراً. لفت نظري فيه بريق عينيه، وحماسه وهو يريني الكدمات وآثار الشجار. طلب مني الكشف على زوجته لإثبات الزنا. وقال أنها ستستغل غيابه في العمل لتمرر التصاريح للمقاول.نويت أن أقدم تقريري بإصابته بحالة بارانويا . ولكنني أرجأت حسم الموضوع حتى جلسة أخرى. كانت بعد ثلاثة أيام فقط. ولكنه كان إنساناً آخر. هادئاً وديعاً، بلا حماس وبلا بريق في عينيه. عرفت أن زوجته بدلت أقوالها أمام النيابة. وبأنهما تصالحا. سألته فقال:
- لا شيء. ساوموني على براءتي فقبلت.
ثم قال:
- أنا أنكر كل ما قلته في المرة السابقة. يمكنك اعتباره حالة اكتئاب أو انهيار عصبي. كما تشاء اكتب . و لكن أخرجني من هنا.
سألته:
- والحلم؟
رد بكل هدوء:
- راودني مرة واحدة بعدما قبلت المساومة. الموضوع ليس سيئاً كما ظننت فهي مجرد شكة دبوس. بعدها الأمر سهل. و مجرد ألم بسيط في الشرج. ولكن سأعتاد عليه كالبقية.
استوقفتني كلمة البقية فسألته:
- أي بقية؟
ابتسم وقال:
- هل تظن أنني وحدي؟ انظر حولك.
اعتبرت أن حالته مازالت غير مستقرة وقدمت تقريري النهائي. لكن فوجئت بإخراجه. سألت فعلمت أن تقريراً آخر تم تقديمه من رئيسي. ذهبت إليه في مكتبه. كان يجوب الغرفة جيئة وذهاباً. عندما فاتحته في الموضوع نهرني قائلاً:
- الرجل سليم عقلياً. والحكاية التي حكاها ناتجة عن شد عصبي شفي منه. وزوجته صالحته. لم تريد أنت أن تفتعل معركة دون داعي؟
لم أجد ما أقوله، هممت بالذهاب ولكنه استوقفني . دعاني للجلوس في لهجة ودية فجلست. اتجه إلى كرسيه ليجلس أمامي. ما أن لمس المقعد حتى صدر منه آهة ألم . لم أنتبه إلى ما قاله. ربما كانت تلك الآهة لأي سبب آخر. ولكنني تذكرت كلام المريض:
- انظر حولك.
لم أعرف من أين أبدأ. كل ما عرفته أنني يجب أن أعلم أكثر . ولكن كيف؟ لي صديق تخصص في الجهاز الهضمي والقولون والبواسير. سألته في زيارة لاستعادة الأيام الخوالي.
- هل تأتيك حالات تشكو من ألم في فتحة الشرج؟.
ابتسم وقال في دهشة:
- أكثر مما تتخيل.
حاولت أن أعرف أي معلومة ولكنه تهرب متعللاً بقسم الأطباء . لم أجد بداً من عمل غزوة ليلية على عيادته للإطلاع على ملفات المرضى. هذه جريمة أخرى يمكنك أن تبلغ بها رئيس النيابة.تخيل وجدتهم بالعشرات.من كل فئات الشعب،عدا الكبار طبعاً . كل منهم تقدم للطبيب بعلة وجع في فتحة الشرج. وكلهم بالكشف عليهم وجد حالة تهتك بالمستقيم. ناتج عن جسم غريب تم إدخاله عدة مرات. أنت مندهش؟. أنا أيضاً كنت كذلك. وازدادت دهشتي حين قمت ببعض التحريات عن بضعة أشخاص منهم. لن أثقل عليك فأكيد أنت خمنت السبب. ولكن ليس كلهم. هناك من كانت حياتهم بائسة، هؤلاء لم يستسلموا ، قاوموا وهزموا. والأمر ليس دائماً مثل شكة الدبوس.هناك من يتألم في كل مرة. حسب الشخص. في النهاية كلهم وكلهن نفس المصير. سواء قاومت أم لا. لذا فالجزء الأعظم يستسلم. الموضوع أقوى مني ومنك. وله جوانب شتى. فلم لا يخضعون ويريحون أنفسهم؟ . ولكنني لم أتعظ. قررت فضح الأمر. طلبت الكشف على جميع فئات الشعب. والتحقيق مع كل من هتك عرضه. لمعرفة هل استسلم أم قاوم. كيف سنعرف؟ هناك طرق عدة. لذا أتوا بي إلى هنا. أعلم أنك تصدقني. لأنك لو نظرت حولك ستعلم. وأمامك خياران: إما أن تكون معي وتنضم إلي في المصير، وتشاهد نفس كوابيسي. أو تكتب التقرير الذي سيطلبونه منك. حينها سيرضون عنك. وربما يمنحونك ترقية. والأمر لن يكلفك الكثير ،مجرد شكة دبوس، وزيارة للطبيب. بعدها ستطلبها بنفسك.
لا ترد الآن، سأرى الإجابة على وجهك غداً.